الثلاثاء، 27 يوليو، 2010

من أسرار تفوق الغرب


خالد القشطيني





أشرت في مقالتي السابقة الى طريقتي في الكتابة وكيف استوحي افكاري في دورة المياه. يتيسر ذلك فقط عندما تكون المرحاض افرنجية نستطيع الجلوس عليها ككرسي لساعات وساعات. لا يمكن عمل ذلك في المرحاض التركية التي لا تصلح للجلوس. رغم تفاهة الموضوع كما قد يبدو للقارئ ، فإن هذا الفرق هو سبب تفوق الغربيين علينا ونشوء الديمقراطية عندهم. ففي زمن اليونان والرومان، كانت هناك مراحيض عامة تتكون من سلسلة مقاعد حجرية ، واحد بجانب الآخر وبدون حواجز بينها. كان المواطنون يستعملونها ويجلسون عليها لساعات، يتناقشون خلالها في مواضيع الساعة ويتبادلون الأفكار. لا احد يراقب او يسجل عليهم ما يقولون. فهذه مراحيض لها حرمتها. وكان الشائع ان تكون مختلطة للذكور والاناث ، مما يعكس روح الحرية ومساواة المرأة بينهم. يدخل الزوج والزوجة فتأخذ مكانها بجانبه او بجانب اي رجل آخر. ترفع ثوبها وتقضي حاجتها وتشارك الحاضرين في الدردشة والمناقشة.

فضلا عن ذلك ، ان هذه المراحيض المشتركة تتطلب تقنية لتصريف الفضلات وتوفير الماء للتنظيف. ويؤدي ذلك الى تطوير الصناعة والهندسة. كلمة لافوتري lavotary التي تعني المرحاض بالانكليزية جاءت من كلمة لافوتوريوم اللاتينية ، وتعني محل التنظيف والغسل. حيثما ذهب الرومان بنوا هذه المراحيض والحمامات.

لماذا لم يطور العرب المقعد المرحاض؟ يعود ذلك لحياة البداوة في الصحراء. فما جدوى بناء دورة مياه اذا كنت ستبارح المكان يوم غد؟ طور البدو تقنية مختلفة مناسبة ، وهي حفر حفرة في الأرض يفرغ فيها المرء حاجته بالتقمبص ثم يردمونها بالتراب او يتركونها للريح تقوم بالعملية. لا تسمح مثل هذه الحفرة الكريهة بالمحاورة بين الناس او التفكير في شيء. وهي في الحقيقة اصل المرحاض الشرقية او التركية. فضلا عن ذلك ، انها لا تتطلب اي تقنية او هندسة يتعلم منها البدوي شيئا عن التكنولوجيا او الصناعة.

ومما يذكر ان قدماء المصريين في عهد الفراعنة كانوا يستعملون المقعد المرحاض ، وكانوا يصنعونه من حجر الكلس للأغنياء ومن الخشب للفقراء. تميز طبقي مراحيضي. لا أدري لماذا انقرض هذا الأسلوب في مصر، ربما بمجيء العرب او الترك.

ورث الأوربيون هذا الاسلوب اللاتيني من الرومان وشاع بينهم. ذكروا مؤخرا ان المنقبين الآثاريين الالمان عثروا على المرحاض الحجرية التي قضى مارتن لوثر ساعات طويلة جالسا عليها يفكر بالإصلاح الديني. لا أدري ما فعلوا بها ، هل وضعوها في المتحف كرمز للتكنولوجيا الألمانية ام سلموها للكنيسة ليعتز بها المؤمنون ويتباركوا بها؟ انا واثق ان الكاثوليك سيبصقون عليها على ما فعلته وتسببت به من انشقاقات في الكنيسة.

مهما كان الأمر، فإنني أعتقد ان المرحاض التركية من اسباب تأخرنا . لقد كرهتها طيلة حياتي في العراق، وما من شيء يرعبني الآن كاحتمال استعمالي لها في العراق إذا عدت اليه.

عن العالم

ليست هناك تعليقات: